الشيخ محمد رشيد رضا
234
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
العلامات المختصة بالمسيح ، والا فكيف يصح هذا ؟ لكني أقطع النظر عن هذا وأقول : إن يحيى أشرف الأنبياء الإسرائيلية بشهادة عيسى عليه السّلام ، كما هو مصرح به في الباب الحادي عشر من إنجيل متى ، وان عيسى عليه السّلام إلهه وربه علي زعم المسيحيين ، وكان مجيئه ضروريا قبل المسيح ، وكان كونه إيليا يقينيا ، فإذا لم يعرف هذا النبي الأشرف نفسه إلى آخر العمر ، ولم يعرف إلهه وربه إلى المدة المذكورة ، وكذا لم يعرف الحواريون الذين هم أفضل من موسى وسائر الأنبياء الإسرائيلية مدة حياة يحيى انه إيليا فما ذا رتبة العلماء والعوام عندهم في معرفة النبي اللاحق بخبر النبي المتقدم عنه وترددهم فيه ؟ وقيافا رئيس الكهنة كان نبيا على شهادة يوحنا ، كما هو مصرح به في الآية الحادية والخمسين من الباب الحادي عشر من إنجيله ، وهو أفتى بقتل عيسى عليه السّلام وكفره وأهانه ، كما هو مصرح به في الباب السابع والعشرين من إنجيل متى ، ولو كانت علامات المسيح في كتبهم مصرحة بحيث لا يبقى الاشتباه ( فيها ) على أحد ما كان مجال لهذا النبي المفتي بقتل إلهه وبكفره أن يفتي بقتله وكفره ونقل متى ولوقا في الباب الثالث ومرقس ويوحنا في الباب الأول من أناجيلهم خبر أشعيا في حق يحيى عليهما السّلام ، وأقر يحيى عليه السّلام بأن هذا الخبر في حقه على ما صرح به يوحنا ، وهذا الخبر في الآية الثالثة من الباب الأربعين من كتاب أشعيا هكذا ( صوت المنادي في البرية سهلوا طريق الرب اصلحوا في البوادي سبيلا لإلهنا ) ولم يذكر فيه شيء من الحالات المختصة بيحيى عليه السّلام لا من صفاته ، ولا من زمان خروجه ، ولامكان خروجه ، بحيث لا يبقى الاشتباه ، ولو لم يكن ادعاء يحيى عليه السّلام بأن هذا الخبر في حقه وكذا ادعاء مؤلفي العهد الجديد لما ظهر هذا للعلما . المسيحية وخواصهم فضلا عن العوام لان وصف النداء في البرية يعم أكثر الأنبياء الإسرائيلية الذين جاؤوا من بعد أشعيا عليه السّلام ، بل يصدق على عيسى عليه السّلام أيضا ، لأنه كان ينادي مثل نداء يحيى عليه السّلام : توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماء وسيظهر لك في ( الأمر السادس ) حال الاخبارات التي نقلها الانجيليون في حق عيسى عليه السّلام